قوبل قرار ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووى مع إيران باستهجان شديد. وشن الإعلام الليبرالى حملة شرسة عليه، ومال إلى تفسيره تفسيرا سطحيا٬ مفاده أن دافع ترامب الرئيس هو الرغبة فى تفكيك وتدمير كل ما أنجزه سلفه أوباما.
وقد يكون هذا التفسير صوابا٬ إلا أننى أميل إلى تبنى مقاربة أخرى٬ وأرى أن قرار ترامب مبرر إن قيّمنا الاتفاق وحصاده فى منطقة الشرق الأوسط٬ ولكنه لا يمكن الدفاع عنه إن أدخلنا فى الحساب الساحة الدولية ومستقبل النظام الدولى وجهود منع انتشار الأسلحة النووية.
رهان أوباما على معتدلى طهران كان قرارا مبنيا على أوهام٬ وأقولها باطمئنان لأن هذا تقييمى منذ أول يوم. ميزان القوة فى طهران فى صالح المتشددين… سلاح المعتدلين الرئيس هو تأييد الرأى العام أو نسبة كبيرة منه٬ ولكن الرأى العام لا أهمية له فى مثل هذه الأنظمة.
واستطاع المتشددون توظيف مكاسب الاتفاقية لتمويل التمدد الإقليمي٬ وهو أصلا لا يكلف أموالا كثيرة٬ ولتطوير منظومة الحرس الثورى العسكرية، وكلنا نعرف النجاحات التى حققتها إيران.
وقال مثقف لبنانى سنى فى مجلس قاهرى كنت مشاركا فيه… الخطر الإيرانى بالنسبة لكم معشر المصريين خطر نظرى غير ملموس خارج دوائر جماعات السياسات الخارجية والأمن الإقليمي٬ ولكن المشرقيين يعانون منه كل يوم ويعلمون جسامته.
وإذا كان الأمر بهذا الوضوح٬ لماذا تعترض الدول الموقعة على الاتفاق على قرار الرئيس ترامب؟ نوعان من الأسباب يفسران هذا الموقف، أولهما يشكل هذا الانسحاب ضربة قوية لجهود منع انتشار الأسلحة النووية٬ لأنه يدمر مصداقية الدول التى وقعت عليه ويفقد الأطراف ثقتهم فى الدول الكبرى٬ وهذا الكلام ليس نظريا٬ بل له نتائج مباشرة٬ كيف يمكنك إقناع زعيم كوريا الشمالية بالتوقيع على اتفاق يجبره على نزع سلاحه النووى وعلى تدمير صواريخه إن كنت لا تستطيع أن تضمن التزام الولايات المتحدة بالوفاء بالتزاماتها التى نص عليها مثل هذا الاتفاق؟
باختصار، كان توقيع هذا الاتفاق خطأ له ظروفه المخففة (يبدو أنه لا يوجد خيار عسكرى يقضى على مشروع إيران النووي) ولكن الانسحاب منه كان أيضا خطأ له ظروفه المخففة.
ونوع ثانٍ من الاعتبارات يفسر التحفظات الأوروبية والروسية والصينية٬ وهو تقدير تلك الدول لوزن إيران فى المنطقة ولقدرات نخبها وشعبها٬ ولثقلها كسوق وكاقتصاد واعد.
يرى العالم أن المنطقة بها أربع دول لها ثقل سياسى وعسكرى لا خامس لها٬ إسرائيل ومصر وتركيا وإيران. فى تقديرها مصر مجبرة على التفرغ لقضاياها الداخلية ولمحيطها المباشر – السودان وليبيا وغزة. تركيا يحكمها شخص لا يمكن توقع سلوكه وحالة جيشها تثير التساؤلات بعد حملات «تطهيره» واقتصادها يعانى من شطحات القائد. وأخيرا التعامل مع إسرائيل وهى دولة قوية ومتقدمة قد يثير حساسيات العالمين الإسلامى والعربى.
ولا يخفى من تفاوضوا مع الإيرانيين إعجابهم بكفاءة كوادرهم٬ يجمعون بين الوطنية المعتزة بنفسها والشراسة فى الدفاع عن مصالحهم مهما كلفهم هذا٬ يجيدون حسابات التصعيد والتهدئة٬ ويفهمون آليات ومسارات النظام العالمى وتطوره.
يمكننا نقد هذا الانبهار٬ الذى لا يعير للبعد الأيديولوجى اهتماما كبيرا٬ والذى يقلل من أضرار عمليات الخداع الإيرانية٬ ولكننا نرصد هنا انطباعات صائبة كانت أم خاطئة.
ويعول الكثيرون على السوق الإيرانية٬ لا سيما من فشلوا فى اقتحام أسواق الدول الخليجية. وهناك أيضا من يرى أنه ليس مضطرا للاختيار بين إيران ودول الخليج وأن الأحسن تنمية العلاقات مع الجانبين.
ويعلم الصينيون أن بين إيران وروسيا توجسا وتوترا مكتوما٬ ويحاولون استغلاله واستغلال الأزمة مع الغرب٬ ولكن إيران مترددة ولا تريد حضن دب أو تنين.
- أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية