الرأى القائل بفشل مشروعه
المقال السابق فى هذه السلسلة- عن الرأى القائل بنجاح مشروع إسماعيل- تطلّب النظر فى متغيرات كبرى حدثت فى مصر منذ نهايات القرن التاسع عشر واستمرت بتداعيات مختلفة طيلة النصف الأول من القرن العشرين. لكن هذا المقال- عن الرأى القائل بفشل مشروع الرجل- لا يتطلب نظرات فى فترات طويلة من التاريخ؛ لأن مظاهر الفشل ظاهرة بمنتهى الوضوح فى عصر إسماعيل وما تلاه مباشرة.
إسماعيل أفلس مصر، والأسوأ أنه تسبَّب فى مديونات مهولة لبنوك ودور استثمار فى دول شديدة القوة وقتها- بريطانيا بشكل رئيسي- وعليه كان من المحتم أن عدم القدرة على تسديد الديون سيستدعى تدخلًا أجنبيًّا لفرض أحوال اقتصادية ومن ثم سياسية لجعل البلد قادرًا على خدمة الدَّين ثم على ردِّه. تلك كانت بداية وقوع مصر تحت الاحتلال البريطانى.
تجربة الاحتلال همٌّ ثقيل فى تاريخ أية دولة. لكن فى حالة تجربة مصر مع أسرة محمد على، الاحتلال كان نهاية المشروع، كان الوصول إلى نهاية الطريق الذى بدأه محمد على، وجرى فيه إبراهيم باشا (والذى عرضته هذه السلسلة فى حلقاتها السابقة).
صحيح أن مصر تطورت بعد إسماعيل وأن التغيرات المهولة التى قام بها أحدثت نقلات فى المجتمع المصرى أخذته إلى حداثة حقيقية. لكن فكرة ومشروع وجود مصر كدولة قوية مستقلة عن الإمبراطورية العثمانية وعن القوى الغربية، وذات نفوذ فى كل شرق البحر الأبيض المتوسط، سقطا مع مع دخول الغرب مصر كمتحكم فى الاقتصاد، وعليه بالضرورة فى السياسة.
هناك من يقولون إن إسماعيل شابَهَ أباه. إن الاثنين قادا مشروعين عملاقين فى الطموح والأبعاد وأن الاثنين فشلا- ربما- لكن فشل إبراهيم لم يُوقع مصر تحت احتلال. فشل إبراهيم أنهى وجود إمبراطورية مصرية فى شرق البحر المتوسط. فى المقابل، فشلُ إسماعيل أنهى وجود مصر كدولة مستقلة.
التحكم الاقتصادى الغربى فى مصر كان له بُعد اجتماعى مهم. المقال السابق من هذه السلسلة تحدّث عن بداية تكوُّن رأسمالية مصرية ذات وزن كبير بدأت فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر تخرج من التركز فى الزراعة إلى الصناعة والتجارات المالية؛ وأهمُّها العمل فى أسواق المضاربة والاستثمار فى الأوراق المالية. المناخ السياسى الذى تكوَّن منذ نهايات عهد محمد على وإبراهيم وما بعدهما، وتمدَّد فى عهد إسماعيل سمح، وأحيانًا شجع رءوس الأموال تلك على التوسع.
كل ذلك تغير مع التحكم الاقتصادى الغربى فى مصر، الذى فضل رءوس أموال أوروبية على غيرها. النتيجة كانت تغيرًا كبيرًا فى الاقتصاد السياسى لمصر، تراجعت فيه الفرص أمام المصريين. ولعلّه ليس تجاوزًا القول إن بداية الدخول المصرى مرة أخرى فى عمق أهم القطاعات الاقتصادية فى البلد- الذى حدث فى أعقاب الحرب العالمية الأولى- كان من الطبيعى أن يحدث ربع قرن قبل ذلك (على الأقل) لولا النتائج التى ترتبت على فشل إسماعيل.
أخيرًا- إذا كان (كما تحدثنا فى مقال سابق) فشل توسعات إبراهيم قد أنهى داخل أسرة محمد على إرادة التحدى السياسى لبعض قوى الغرب، فإن فشل إسماعيل أنهى إرادة الاستقلال السياسى والاقتصادى لمصر داخل الدوائر الحاكمة فى الأسرة.
إسماعيل نُفى بقرار من السلطان العثمانى، لكن المصلحة البريطانية كانت قى قلب القرار الصادر من تركيا. قضى إسماعيل سنواته الأخيرة بين جنوب إيطاليا وشاطئ البوسفور فى ضواحى إسطنبول. صوره فى تلك السنوات تظهر على وجهه آثار المرض الذى قضى عليه. لكن على الوجه أيضًا أوزان الفشل الكبير وأحمال حلم عملاق انهار.
مات إسماعيل، ربما من الحزن قبل أن يكون من المرض. يبقى مشروعه بعد كل هذا قابلًا للأخذ والرد- وكما حاولت فى هذا المقال والذى سبقه- يبقى مشروعه صورة لنجاح حدث وإنْ بعد عقود طويلة، أو صورة لفشلٍ ترسّخ مباشرة بعد أن سقط الرجل.
* كاتب مصرى مقيم فى لندن