يواصل «الجرو» البريطانى، كما سبق أن وصفت صحافة لندن رئيس الوزراء الأسبق «تونى بلير» حين التحق بأذيال الركب الأميركى فى غزو العراق 2003، اقتفاءً بالتبعية للولايات المتحدة لنحو ثمانية عقود خلت، تبدل خلالها العشرات على مقر رئاسة الحكومة فى «داوننج ستريت»، لم يغب عن آخرهم «جونسون» قبل تقديم استقالته يوليو 2022.. أن ينصح المرشحين المحتملين لخلافته.. «بالاستمرار على مقربة من أميركا»، ذلك على ذات نهج وسياسات أسلافه فى الالتزام بالنواهى الأميركية سواء بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى «بريكست» 2016، لدعم أوكرانيا فى الحرب مع روسيا منذ فبراير الماضى، وفى إرضاء اليمين الشعبوى لحزب المحافظين ممن سيحسمون هوية رئيس الوزراء 5 سبتمبر المقبل، وسواء أكان أحد المرشحين الأبرز.. إما وزيرة الخارجية «ليز تروس» المتصدر استطلاعات الرأي العام، أو وزير الخزانة السابق «ريش سوناك»، من أصول عرقية هندوسية.. وتطاله -وزوجته- مجموعة فضائح مالية، فيما يلاحقهما شبح «جونسون» المتطلع للعودة إلى الحكم، فى سياق محتدم لصياغة سياسة يمينية تتسم بالبرجماتية الشديدة فيما بين الشيء ونقيضه، اقتصاديا وعلى المستوى الدولى، ما يشير إلى اتجاهات سياسية متأرجحة مستقبلاً، قد لا يربط بينها سوى الخضوع لفرمانات أميركية.. تعانى هى الأخرى من عدم اليقين.. فى لحظة تاريخية تواجه عندها الدولتان الأنجلو ساكسونيتان الأكبر تحديات خارجية لا تقل خطورة عما يعتمل فى دواخلهما من انقسامات مجتمعية متنوعة، ذلك باستثناء الفترة الرئاسية التى شغلتها منذ الثمانينيات «مارجريت تاتشر».. الشخصية الحديدية المحببة من كل المتعاملين معها، سواء على الصعيد العسكرى (جزر الفوكلاند) أو أوروبيا (الوحدة السياسية) للقارة، أو دولياً (تصدير «قلق الأيديولوجيا» للمعسكر الشيوعى)، أو سواء على المستوى المحلى.. حيث يحاكيها لاحقاً فى ذلك المرشحة المحتملة لرئاسة الحكومة «تراس» فى الحديث عن الحريات، والتجارة الحرة، ولتخفيض الضرائب، على خطى «تاتشر» الجديدة، حيث بريطانيا فى أشد الحاجة لمثلها فى تسوية أزماتها المتفاقمة (غلاء المعيشة والتضخم.. إلخ) من بعد ثلاثة عقود لرحيل الأخيرة عن الحكومة، لا سيما فى غضون الانعكاسات الكارثية للاقتصاد أعقبت ستة أعوام من الاستفتاء على مشروع «بريكست» 2016، بحيث بات من الضرورى مراجعة مزاياه وقيوده، ليس أقدر على تقرير النكوص عنه أو الاستمرار فيه.. أكثر من «تراس» التى سبق أن تحولت من معارضة «بريكست» إلى المشاركة فى مفاوضات تنفيذه، الأمر الذى سيتحدد فى ضوئه أهمية ودور بريطانيا كحليف للولايات المتحدة التى تنحسر عنها أحاديتها القطبية فى مختلف أقاليم العالم، بالتوازى مع مراجعات بريطانية لانتهاج سياسة مستقلة كى تشرق الشمس مجددًا على علاقتها بدول الكومنولث- مثالاً- (منتدى أعمال الكومنولث العام 2022) فى رواندا، ومع غيرها من دول العالم الأخرى، خاصة بعد أن شابت علاقات بريطانيا الخارجية مشكلات تزامنت مع خروجها من الاتحاد الأوروبى، لا سيما مع دول الكومنولث التى تعتبر التاج البريطاني- رأس الدولة- إلى آخر فضائها الجيو سياسى الذى لم يعد بإمكانه الاعتماد بالمطلق على تفوق النفوذ الغربى، خاصة بسبب التحديات الجديدة من جانب روسيا والصين، ما يجعل من تسوية أزمة الحكم المزمنة فى بريطانيا.. ليس أكثر من إحياء لبقايا إمبراطورية.
* عضو مكتب مستشار الرئيس للأمن القومى فى السبعينيات